فخر الدين الرازي
233
المطالب العالية من العلم الإلهي
يكون من لوازم الماهية [ وإما أن لا يكون « 1 » ] فإن كان الأول ، وجب حصول الإمكان في جميع الأوقات ، وإن كان الثاني كان الإمكان عرضا مفارقا للماهية . وكل ما كان كذلك ، كان إمكان حصوله سابقا على حصوله ، وحينئذ ينقل [ الكلام « 2 » ] إلى إمكان الإمكان ، ويلزم الذهاب إلى ما لا نهاية له ، وهو محال . أو الانتهاء إلى إمكان لازم للماهية ، وهو المطلوب . وأما بيان أن كل ممكن فهو محتاج إلى السبب . فالعلم به بديهي . فثبت : أن كل ممكن ، [ فإنه حال بقائه ممكن ، وثبت أن كل ممكن « 3 » ] فهو محتاج إلى المؤثر [ ينتج « 4 » ] أن كل ممكن ، فإنه حال بقائه محتاج إلى المؤثر ، وذلك يدل على أن كونه باقيا ، لا يمنع من كونه محتاجا إلى المؤثر . فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال : إن الشيء حال بقائه ، يكون الوجود به أولى ، فلأجل حصول هذه الأولوية يستغنى عن السبب . فنقول : حصول هذه الأولوية ، إما أن يكون من لوازم هذه الماهية ، أو لا يكون . فإن كان الأول ، وجب أن يقال : إنه كان حاصلا حال حدوثه ، فوجب أن يستغنى عن المؤثر ، حال حدوثه ، بل مطلقا . وهو محال . وإن كان الثاني ، فهذه الأولوية ما كانت حاصلة حال « 5 » الحدوث ، ثم حصلت حال البقاء . فالشيء حال بقائه ، إنما بقي لحصول هذه الأولوية . وهذا الاعتراف بأن الشيء حال بقائه : محتاج إلى السبب . إلا أنكم سميتم ذلك السبب بالأولوية . وهذا تسليم في المعنى ، ونزاع في العبارة . الحجة الثانية : إنه يمتنع أن تكون علة الحاجة إلى المؤثر : هي الحدوث . وذلك لأن الحدوث عبارة عن كون وجوده مسبوقا بالعدم . وهذه المسبوقية صفة لذلك الوجود ، وصفة الشيء متأخرة عنه بالرتبة ، فحدوثه متأخر عن وجوده ، المتأخر عن تأثير الفاعل فيه ، المتأخر عن احتياجه إلى الفاعل ، المتأخر عن علة
--> ( 1 ) من ( ط ، ت ) ( 2 ) من ( ط ) ( 3 ) من ( ط ، س ) ( 4 ) من ( ط ، س ) ( 5 ) قبل ( ط )